ضفاف -مجلة فكرية محاولة لإضاءة شمعة في عتمة الشرق www.difaf.org
   مجلة فكرية محاولة لإضاءة شمعة في عتمة الشرق                                                    تموز العدد ( 22 )
أليس عجيباً وغريباً ومريباً تفكير ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بأن الإنسان مفطور على الحاجة لأمور ثلاثة. 1ـ يحتاج إلى غذاء لبدنه. 2ـ ويحتاج إلى غذاء لعقله. 3ـ و يحتاج إلى غذاء لروحه. أ 
الفقه السياسي الشيعي في إطاره المعاصر ( 2 )
الخوف من تَغَوُّلِ السلطة، كان الشغل الشاغل لفلاسفة السياسة، والفيلسوف الألماني هيغل الذي ابتدع ذلك المفهوم المضخم للدولة، وجعلها روح الأمة، هو نفسه الذي ابتكر مصطلح المجتمع المدني، الذي يفترض أنه مؤسسة ضابطة وكابحة ومراقبة للسلطة السياسية، ولكنه يعود فيؤكد (( أن المجتمع المدني غير قادر على ولوج باب الحرية بنفسه، وأنه بحاجة إلى الدولة )) .
ولكن الفكر السياسي في الغرب والممارسة السياسية في الشرق، تعاونا على تجريد السلطة من القيود وإطلاق العنان للإستبداد الفردي أو المؤسساتي. ويبرز الاستبداد المؤسساتي فيما يُقدِّمه لنا القانون الدستوري من تعاريف للسلطة والسيادة: (( فالسلطة ركن من أركان الدول، ترتبط بمفاهيم الإلزام والشرعية والقوة والنفوذ والعنف، وتحتكر استخدام العنف وتشريع القوانين. أما السيادة، فتعني أن سلطة الدولة عُلْيا، لا يسمو عليها شيء، ولا يخضع لأحد)) . وقد تمركزت كل هذه الصلاحيات والمفاهيم في مؤسسة واحدة عملياً، هي ليست الدولة بكل ما تعنيه من أرض وشعب ومؤسسات بل بما يُسمَّى اليوم بالحكومة المستندة إلى برلمان تمثيلي.
وبرهن مسار التطور في الممارسة السياسية، أن التعايش بين المفاهيم السامية للحكم والقدرة على البطش هو تعايش موهوم، وأنتجت المعادلة المجحفة تحولاً من دولة الحراسة إلى دولة الرعاية، ثم إلى الدولة الأمنية، أي الدولة الصانعة للخوف .
من العنف الرمزي إلى الفيزيائي
يكمن أصل المشكلة في عدم تقديرنا لمعنى السلطة، والتقليل من أهميتها دائماً لصالح العلم، والحق أن العلم فشل في التحول إلى سلطة، ولكن السلطة نجحت في التحول إلى علم بمعونة تهويمات الإيديولوجيا، ومفهوم السيادة الذي حوَّل الدولة إلى إله ليس فوقه شيء.
أسهم المتحمسون لمواكبة الحداثة في وقوعنا بهذا الفخ، وبنيّة طيبة نقلوا لنا علوم الغرب لنتقدم، ولكننا رأينا (العلم) يزيدنا (قابلية للاستعمار)، ويفتح شهيتنا على الاستهلاك والتنميط، وفقا لأجندة سلطوية تبين أنها كامنة لا في حس المؤامرة بل في آلية اشتغل العقل الغربي الذي وعى مبكراً ضرورة تعزيز الطبيعة النفعية للعلم على حساب الطبيعية الإنسانية.
حدثت الثورات العلمية هناك تحت ضغط الحروب الساخنة والباردة وكان المطلوب من كل نظرية فيزيائية أن تتحول إلى قنبلة أو قذيفة أو منظار ليلي أو شبكة تجسس...
ومن تلك البداية تربعت الفيزياء على عرش العلوم وما إن بزغ فجر القرن العشرين سنة 1900 تحديداً حتى توالت الإكتشافات المذهلة من نظرية الكوانتم لماكس بلانك إلى النظرية النسبية لإينشتاين سنة 1905 وانفجرت قنبلة الفيزياء واجتاحت فلسفة العلم وأخضعت كل بحث علمي لنتيجة فيزيائية يعني للعنف الفيزيائي.
لاشك في أن النزعة الإنسانية التي صبغت الثورات: الإنكليزية والأميركية والفرنسية، كانت من ضحايا ذلك الإنفجار. إذ، ما معنى أن نتحدث عن قوة القانون في مقابل قوة المدفع والدبابة والطائرة؟ اللقاء بين القوتين كان لمصلحة الفيزياء أيضاً فتحولت النزعة الإنسانية من دافع حاكم إلى صبغة تغلف العنف الفيزيائي بالعنف الرمزي ـ والمصطلح الأخير لبيير بورديو ـ.
بحسب تعبير توماس كون: تحدث الثورة العلمية عندما يتغير النموذج الإرشادي الذي يعمل في حقله المجتمع المدني، وبحسب التاريخ السياسي والعلمي، كانت السلطة السياسية هي المحدد الأساسي للنموذج الإرشادي، بل إن بسط السلطة والسيطرة كان النموذج الإرشادي الوحيد الذي يولّد للعلم نماذجه الإرشادية، وخلف الموضوعية البحتة التي تتمتع بها العلوم الطبيعية، كانت إيديولوجيا السلطة هي المحدد الأساسي للاتجاه الذي يجب أن ينمو فيه العلم.
لا أريد أن أردّد هنا ما قررته جماعة مرموقة من المفكرين والعلماء في موجة ما بعد الحداثة، أمثال: ميشال فوكو، وإدوارد سعيد، وبيار بورديو، وجان فرنسوا ليوتار، ونعوم تشومسكي، وطلال أسد، ولكن ألفت النظر إلى أهمية ما قالوه في العلاقة بين العلم والسلطة، والذي يمكن تلخيصه بإيجاز عبر القول: بأن العلم، وألعاب اللغة، والسرديات، وكل ما هو كلمة، وكل ما هو شيء في الفضاء الغربي، تحول مع نمو تجربة الدولة إلى حقل من حقول السلطة، أو بحسب التعبير الأنثروبولوجي الحديث: تحول إلى فعالية من فعاليات السيطرة، تفسير آليات اشتغال السلطة.
ويعود هذا الأمر إلى سفاح خطير بين سلطة تعشق الفعل ، وقدرة الفيزياء على الصدم والتغيير والقولبة، فليس من الغريب، وفقاً لهذا السياق أن تكلف السلطة الحاكمة علم الفيزياء بإمامة بقية العلوم ليتمدد تحت إسم هندسة، فتوجد الآن هندسة لغوية وهندسة وراثية وهندسة زراعية، بالإضافة للهندسة الصناعية والإلكترونية والمدنية والمعمارية والمعدنية والبيئية.... وليست المسألة مؤامرة بقدر ما هي منحى واتجاه أو سياق يفضي بطبيعة نموه الى هذه النتائج وفي كل علم من هذه العلوم يوجد ما يتجاوز تطوير الطبيعة الى تغيير الطبيعة والفارق كبير بين أن تنصت الى صوت الفطرة والطبيعة ويأتي جهدك العلمي ملبياً لهذا النداء الإلهي في الخلق وبين ان تعيش وهم القدرة على إنشاء علوم لتغيير الحياة وليس فقط لتطويرها وفقاً لنموذج إيديولوجي صنعته السلطة ـ القيصر ونَفَّذه العبد ـ العلم.
لقد جُعِلت الدولة في الفكر السياسي الحديث مؤسسة المؤسسات والجهة الوحيدة التي يحق لها أن تمارس أو تحتكر العنف القانوني المشروع وانطلاقاً من هذه الصلاحية الممنوحة للدولة وخاصة مفهوم السيادة تمكنت السلطة الحاكمة من فرض توجهاتها الخاصة على الأمة ولم يفلح المجتمع المدني الذي انبرى لتصويب عملية تَغَوُّل السلطة في الحد من هذا الاحتكار باسم القانون فتآكل تأثيره حتى أمكن للسلطة أن تغامر بثروة الأمة من دون أن تلتفت لصراخ الناس في الشوارع وبواسطة الاستعمار تأسست الدولة القطرية في الشرق على هذه القواعد من دون تجربة ديمقراطية ومن دون مجتمع مدني فبدت أكثر شراسة وأشد استبداداً وبالتالي أقلَّ شعوراً بحاجتها إلى العلم، الأمر الذي يفتح المجال واسعاً لدراسة أكثر واقعية لطبيعة السلطة وطبيعة الدولة ووظيفة العلم إذ ليس من المعقول أن يتحكم مفهوم دوغمائي مجنون ـ كمفهوم السيادة ـ بما هو ذروة العقلانية في الإنسان وهو البحث العلمي فإما أننا نؤسس على علم أو على شيء آخر والجواب من القرآن صريح وواضح: ﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ .
الباحث الدكتور جهاد سعد