ضفاف -مجلة فكرية محاولة لإضاءة شمعة في عتمة الشرق www.difaf.org
   مجلة فكرية محاولة لإضاءة شمعة في عتمة الشرق                                                    تموز العدد ( 22 )
أليس عجيباً وغريباً ومريباً تفكير ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بأن الإنسان مفطور على الحاجة لأمور ثلاثة. 1ـ يحتاج إلى غذاء لبدنه. 2ـ ويحتاج إلى غذاء لعقله. 3ـ و يحتاج إلى غذاء لروحه. أ 
أُسطورة مُثَلَّث الموت... أو مُثَلَّث برمودا أو الجزيرة الخضراء ؟! الحلقة (1)
يبدو أن بعض العقول البشرية سوف تبقى على طفولتها مهما تقدم بها العمر أو تطور العصر... مثلها في ذلك كمثل المجتمعات البدائية التي لا تزال تؤمن بالسحر والشعوذة ... والأشباح والأرواح وما شابه ذلك، لكن مع اختلاف جوهري، فهذه العقول تحاول أن تزاوج في أفكارها بين العلم والخرافة، فتبدو الخرافة للرجل العادي ـ أو حتى المتعلم ـ وكأنما هي علم يقوم على أساس، أو كأنما نواميس هذا الكون الراسخة تُسيِّرها الأساطير والخزعبلات، وتتحكم فيها قوى يقف العلم ـ على حد زعمهم ـ أمامها عاجزاً، وما هو بعاجز، لكن العجز هو الذي يسيطر على بعض العقول !
والغريب أن هذه الكتب الأسطورية ـ التي تغلف نفسها بغلالة كاذبة من علم ـ تنتشر الآن في الأسواق، وتعم المكتبات، وتجد إقبالاً كبيراً من عامة الناس الذين يميلون إلى الولوج في عالم غامض تسيطر عليه الخرافات.
فمنذ حوالي ثلاث سنوات خرج علينا الكاتب الأمريكي تشارلز بيرلتز بكتاب غريب أطلق عليه اسم (( مُثَلَّث بَرْمودا )) ولقد لقي هذا الكتاب رواجاً عظيماً، إذ وزعت منه في شهور قليلة أكثر من خمسة ملايين نسخة، وسبب هذا الإقبال المنقطع النظير أن الكتاب يحتوي على حكايات غريبة، ولو صحت هذه الحكايات، لوضعت العلماء في حيص بيص، وعندئذ لن تسعفهم كل قوانينهم ومعادلاتهم ونظرياتهم وبحوثهم، في تقديم تعليل مقنع بما يجري من أحداث في هذا المثلث المرعب الذي تتحكم فيه كائنات غير منظورة، فتشيع في أرجائه الدمار والموت!
وعندما لقي كتاب (( مثلث برمودا )) هذا النجاح والرواج، خرج المؤلف نفسه بكتاب آخر في العام الماضي أطلق عليه (( من دون أثر )) وفيه يقدم مزيداً من الظواهر المحيرة التي تحدث في ذلك المثلث القاتل، إذ أن مئات السفن والبواخر والطائرات، وآلاف الناس قد اختفوا جميعاً دون أن يتركوا أثراً ينم عما حدث، وكأنما هناك أيدٍ خفية تصعق الطائرات، وتحطم البوارج، وتبيد الناس، أو تخفيهم في جيوب أرضية لا يهتدي إليها إنس ولا ( جان ) !
ولقد أفرد بعض الصحفيين العرب في صحفهم ومجلاتهم صفحات كثيرة لنشر هذه الظواهر المثيرة، وهي بالفعل مثيرة، خاصة إذا كانت تتحدى العلم والعلماء!
اختفت الطائرات دون أثر!
لقد وقعت أغرب وأشهر قصة في ذلك المثلث الرهيب في ديسمبر عام 1945، وتتلخص هذه الواقعة في إقلاع خمس طائرات من قاذفات القنابل التابعة للبحرية الأميركية في يوم 5 ديسمبر من فورت لودردال، حيث توجد قاعدة للأسطول هناك، ولقد كانت هذه (( الطلعة )) المعروفة بالرقم 19 واحدة من الطلعات التدريبية التي يقوم بها سلاح الطيران بين حين وآخر، ولقد تم الطيران في جو صاف، وكان كل شي عادياً في المنطقة، لكن حدث قبل أن تعود الطائرات الخمس إلى قاعدتها بربع ساعة أن استقبل برج مراقبة المطار رسالة مفزعة من الليفتنات تشارلز تيلور قائد السرب، ولقد بدا الرعب في صوته الذي انطلق بحشرجة غريبة وهو يقول (( يبدو أننا ضللنا الطريق... إننا لا نستطيع أن نرى أي علامة أرضية... إن كل شي فيه خطأ... كل شيء يبدو غريباً... حتى المحيط من تحتنا لا يبدو كما كان... إنه يبدو وكـأنما نحن....))... ثم انقطعت الرسالة فجأة، وبعدها حَلَّ سكون مُطْبق !
وصدرت الأوامر الفورية إلى إحدى طائرات الإستطلاع والإنقاذ بالإقلاع بحثاً عن سرب الطائرات حيث يكون، وانطلقت طائرة تقلُّ 13 رجلاً، ولكن أحد لم يعد يسمع عنها شيئاً لقد أختفت فجأة، كما اختفت من قبل الطائرات الخمس، ومع اختفائها اختفى أيضاً 27رجلاً دون أن يتركوا خلفهم أثر واحد، رغم المجهودات الجبارة التي قام بها سلاحا الطيران والبحرية لمسح المنطقة شبراً شبراً، ومتراً متراً !
والحادثة ـ لا شك ـ حقيقية ... لكن ماذا حدث بالضبط؟ ... وأين ذهبت الطائرات؟ ... وما مصير الرجال؟ ... وماذا أصابهم حتى صاروا لا يرون شيئاً وكأنما كل المعالم الأرضية والبحرية قد تغيرت فجأة حولهم؟... وهل هناك قوى خفية تسيطر على المنطقة، فتصطاد الرجال، وتخطف الطائرات؟... إلى آخر هذه الأسئلة الحائرة التي أطارت صواب الناس، وقدمت لهم زاداً فكرياً يتناسب وغموض هذه الحوادث التي وقعت في ذلك المثلث المخيف الواقع إلى الشرق الولايات المتحدة ( في المحيط الأطلنطي) وتمتد زواياه بالتقريب من جزيرة برمودا شمالاً، وبورتوريكو جنوباً ( في المحيط)، وفلوريدا غرباً، ويدخل في مجاله بعض جزر الباهاماس، أو هو ما يسمى باختصار مثلث برمودا.
أخي القارئ سيُبَيِّنُ لك الكاتب في الحلقة (2) المبالغات والمغالطات والخيالات التي أحاطت هذه القصص.
الدكتور عبد المحسن صالح