ضفاف -مجلة فكرية محاولة لإضاءة شمعة في عتمة الشرق www.difaf.org
   مجلة فكرية محاولة لإضاءة شمعة في عتمة الشرق                                                    تموز العدد ( 22 )
أليس عجيباً وغريباً ومريباً تفكير ذلك الإنسان الذي لا يؤمن بأن الإنسان مفطور على الحاجة لأمور ثلاثة. 1ـ يحتاج إلى غذاء لبدنه. 2ـ ويحتاج إلى غذاء لعقله. 3ـ و يحتاج إلى غذاء لروحه. أ 
عودة المسلمين إلى الوثنية !!
انقسم المفكرون في بلاد المسلمين من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، إلى فريقين رئيسيين: فريق أرجع الأزمة إلى عدم التزام خيرُ أُمَّة أُخْرِجَت للناس بدينها حسب الأصول، وإلى ما يجعلها تطلب النصرة السماوية فلا تستجيب السماء لها، بل تنزل بها النوازل والإهانات والكوارث في عملية تأديب ربَّانية للأُمَّة كلها، وذلك لأنها فَرَطَّت في فروض وحدود دينها وتأثرت بما عند الشعوب الأجنبية من أساليب عيش هي على النقيض مما جاء في إسلامنا، لذلك حقَّت علينا النقمة الإلهية، ولا حلَّ إلا بالعودة الكاملة الخالصة لهذا الدين والإلتزام الدقيق بأوامره ونواهيه وفروضه وحدوده الشرعية وأخلاقه السامية، والتَّسنُّن الكامل بِسُنَّة رسول الله (ص) وسُنَنَ الراشدين الهداة المهديين. وعندما يتيقن ربنا من استحقاقنا للرحمة حسب معاييره، عما حققنا من حُسْن عبادة وإخلاص، فإنه سيتدخل بنفسه لإنقاذ أمته التي اصطفاها لقيادة العالمين وهذا الفريق هو الأكثر انتشاراً بين جماهير المسلمين.
ويغلب على هذا الفريق روح التنظيم لأنهم اعتادوا على الطاعة المطلقة، فيُشَكِّلون جماعات شديدة التنظيم والإنضباط والإستجابة الحركية السريعة، تبدو بينها على السطح خلافات في الدرجة لكنها غير نوعية، فهي تتوافق جميعاً على الأهداف وإن اختلفت الأساليب ، ويزعم هذا الفريق أننا قد جرَّبنا العلمانية ـ ( يقصدون الديكتاتوريات العسكرية ) ـ والنظام الجمهوري والنظام الملكي والإشتراكية والرأسمالية، وسقطت جميعاً وسقطنا معها في المزيد من التخلف والإنهيار، ولم تجلب تلك التجارب سوى الهزائم المتتالية دون خلاصاً واضح في المستقبل المنظور، ولا يبقى سوى استيلاء أنصار هذا التيار على الحكم ليحكم المجتمع حكماً إسلامياً، أو بالأحرى أن يفرضوا سلطانهم من خلف ستار لِحُكَّام مدنيين أو عسكريين شكليين، بحيث يكونوا هم المرجعية في اتخاذ أي قرار أو إصدار أي قانون، وأن يكونوا هم الهيئة المحاسبية الأولى الرقابية، دون أن يحكموا بشكل أي ديني مباشرة، وبموجب هذا الشكل من الحكم تتم الأسلمة الكاملة للمجتمع والدولة، وعندئذ سوف يتدخل ربُّ السماء لينصر أُمتَّه ويُعيد لها أمجاد الفتوحات، كما نصر السَّلف وهم أَذِلَّة ضعفاء، أما الفريق الآخر ( العلماني) فقد ذهب مذهباً هو على النقيض بالمرة من الفريق الأول وهو الأقل انتشاراً بين الجماهير لكنه الأكثر قدرة على الوصول إلى حلول علمية، والأكثر منطقاً، والأقوى حُجَّة ويستند إلى الواقع الملموس في نجاح العلمانية أينما طُبِّقَت.
لذلك تتم محاربة هذا التيار وطعنه لدى المسلمين بتهمة أنه يعادي ويخاصمه الدين حتى لا يصل إلى الناس أصحاب المصلحة فيه، ويعاني هذا الفريق إضافة إلى التحريض ضده وتبخيسه وتكفيره وتخوينه، من خلل شديد أصيل في بنيته، لأن العلمانية أو الليبرالية هي حرية فردانية بطبيعتها وبما تتضمنه من مفاهيم، فيكون الفرد عصياً على الإنضباط والتنظيم الحركي، ولا يخضع العلماني إلا لقوانين العقل والعلم والأصول الحقوقية والدستورية للمجتمع المدني، التي يطيعها عن قناعة وإيمان بحفظها لسلامته وسلامة المجتمع. لذلك فالليبيرالية لا تقوم في مجتمع إلا عندما تنتشر بقوتها الذاتية، وقدرتها على الإقناع وما تملكه من وسائل وأدوات للأمن الإجتماعي وما تحظى به من أدوات علمية تقدم بها نفسها مدعومة بالبرهان والدليل مع نضوج الأوضاع الإجتماعية لقيام طبقة صاحبة مصلحة فيها تؤسس لها وتحميها وهو الدور الذي أنجزته في أوروبا الطبقة البرجوازية بعد الثورة الصناعية.
والفريق العلماني بالطبع لا يُرجع الأزمة إلى تأثر المسلمين بثقافات غير إسلامية بل يرى أنهم أبعد ما يكونون عن هذه الثقافات بعداً سحيقاً، ولا يرى أن مصائبنا تبدأ مع الإستعمار الحديث وسقوط الخلافة، لأن الخلافة كانت قد مرضت وشاخت وكانت فقط تنتظر من يعلن وفاتها بل أنها كانت هي مصيبة هذه المنطقة من العالم، وإن الإستعمار لم يكن سبب ضعفنا، بإحتلاله بلادنا لأنها كانت ضعيفة أصلاً مما سمح للآخرين بالتعدي عليها ، فضعفنا أصيل في بنيتنا الثقافية وكان هو سبب الإستعمار وليس نتيجته ومن ثم يعيد هذا الفريق أزمة المسلمين إلى تمسكهم بتراثهم الذي تجمد وتجمدوا معه وهنا ينقسم هذا الفريق العلماني إلى موقفين إضافة إلى الإشتراكيين: موقف يرى أن الخروج من الأزمة يتطلب التحرر التام والإنعتاق الكامل من سلطة التراث الإسلامي أو أي دين آخر الذي يعوقنا عن التقدم والتكيف مع العصر، وموقف آخر يرى أن المأثور الإسلامي جزءٌ لا يتجزأ من ثقافتنا يستحيل إجراء قطيعة تامة معه لأنه هدف غير قابل للتحقيق بالمطلق لذلك فالحل يكون بإعادة قراءة هذا المأثور الهائل وإعادة تصنيفه وتبويبه وتجديد فهم النصوص مع ما يتلاءم مع مصالح البلاد والعباد وظروف العصر ومقتضياته، وصاحب هذا القلم يعتبر نفسه ضمن أصحاب هذا الموقف الثاني من التيار العلماني ويرى وجوب أن يتم هذا التجديد أو القراءة الجديدة بما لا يصدم الإيمان الإسلامي ودون الدخول في صراع طائفي مذهبي بين القراءات أي تقديم قراءة تصالحية إسلامية للمسلمين قادرة على مواكبة المستحداث في عالمنا الدؤوب تغيراً وتبدلاً مع الطموح إلى أن تحوذ هذه القراءة رضا المسلمين وأيضاً رضا غير المسلمين وهي مهمة بهذا الشكل تبدو عسيرة بل وربما مستحيلة لكنا سنحاول تجاوز هذه الإستحالة في هذه المجموعة من الدراسات مستعينين بحب جارف لهذا الوطن وللناس في هذا الوطن وإيماناً غير مشوب بقدرة الإسلام والمسلمين على تجاوز كبوتهم التاريخية لأن أزمة المجتمعات الإسلامية تنهض على واقع مختل تحزبت فيه المجتمعات الإسلامية لدينها وتراثها بينما هذا التراث تحديداً ما عاد يتجدد أو يتبدل كما كان في حياة صاحب الدعوة عندما كان الوحي يستجيب للمتغيرات، فكان الله في حياة صاحب الدعوة (ص) يتفاعل بوحيه جدلاً أخذاً وعطاء مع حركة الواقع المتغير فكان يُنسي آيات ويُبدِّل أخرى ويرفع وينسخ ويمحو ويُثبت آيات غير آيات وحديث غير سابقه وفعل نقيض سالفه ويتطور مراعياً وقائع الأرض وظروفها المادية البحت، وبوفاة صاحب الدعوة (ص) وتوقف علاقة السماء بالأرض تجمد المسلمون عند آخر نص في تطور الأحكام ليعتبرونه حكماً إلهياً صالحاً لكل زمان ومكان بينما هو في حقيقة الأمر ودون أي تَجَنٍ هو خارج المكان والزمان، والرؤية الوحيدة القادرة على جعله صالحاً لكل زمان ومكان تنبع من داخل الإسلام وميكانيزمات تَكَوُّن الوحي خلال 23 سنة فالدرس والأغراض النهائية فيه هو إثبات مبدأ التغير والتطور مع كل جديد وليس الوقوف عند آخر تطور حدث في حياة صاحب الدعوة (ص) لأن التطور والتغير هو قانون الكون الأوحد الثابت.
والخطورة اليوم ليست على دين الإسلام، فالدين أي دين لا يموت ولا يندثر لأنه فكرة ولأنه ثقافة إن الخطورة ليست إذن على دين المسلمين فالدين له صاحب كفيل به إن الخطورة الحقيقية هي من المسلمين على الزوال الوجودي من عالم البشرية بالإندثار التام بعد أن غابوا عن هذا الوجود كفكرة وعقل وعطاء وغرقوا في مستنقعات الجهل والخرافة والتخلف والجمود والإستبداد والإنحطاط الخلقي والإنساني رغم أن المسلمين يشكلون حوالي خُمُس البشرية على الأرض.
هنا الذعر الحقيقي أن تطول الأزمة بالمسلمين فيغيب وجوداً كما غابوا حضوراً ثقافياً وهم حسب ما نعتقد كمسلمين المكلفين بالشهادة على الناس بحسبانهم أُمَّةً وَسَطاً حسبما أخبر القرآن الكريم بينما هم لا عادوا أُمَّةً وَسَطاً ولا طَرَفاً ولا هُم أُمَّة أصلاً بحالهم هذا ولو قلنا تجاوزاً أنهم أُمَّة فهم أُمَّة مريضة تصدر أمراضها كراهية وإرهاباً للعالمين.
وينعى المسلمون على الغرب الكافر تَحلُّله الأخلاقي وعِرْيِهِ وحُرَّياته اللامحدودة، ويعتقدون أن الأخلاق قاصرة على الإسلام والمسلمين، وأنها الشيء الوحيد تقريباً التي تملكه لذلك تعتزُّ به وتُنافح عنه وتُباهي به الدنيا رغم أن الصحوة الإسلامية أثبتت عدم امتلاكها حتى هذا الجزء المعنوي الذي تتباهى به، فأسقطت جميع القيم الأخلاقية دفعة واحدة فصار الكذب مباحاً بعقيدة ( التقية)، وأموال البنوك مستباحة لأنها ربوية وأموال غير المسلمين غنيمة مستباحة لأنهم محاربون شاؤوا أو أبوا وسواء كان ذلك موافقاً لشرع الله أو عدمه، هذا ناهيك عن فقه كامل يكرس الإغتصاب بملك اليمين يتم تدريسه في الفقه على المذاهب الأربع في مدارسنا الدينية. من الأزهر إلى طالبان.
الدكتور سيد محمود علي القمي